واقع مهنة التدريس في عالمنا العربي.... إلى أين؟؟ 
علياء العسالي 
تربية نت 
06/08/2005
 

 

نعيش اليوم أزمة يثيرها معظم المفكرين والتربويين في الوطن العربي وهي الأزمة المتعلقة بفشل الأنظمة التعليمية في بلادنا العربية حيث أنها عاجزة عن تخريج طلبة وأجيال يتمتعون بصفات التفكير الانتقادي والإبداعي والتحليلي، فهي بذلك لا تعمل على إيجاد أجيال مبدعة ومستقلة وقادرة على حل مشكلاتها بموضوعية وبأساليب علمية.

 

نجد اليوم هذا الأزمة مثار نقاش لدى العديد من الأطراف وبمستويات متعددة تقترح كل منهما تغيرات معينة نرى معظمها لا يتجاوز كونه شكلي فالرؤى لم تتطور بعد إلى خطط واستراتيجيات تركز على أسباب موضوعيه وجوهريه للأزمة، فالبعض يرى الأزمة على أنها انعكاس لسوء المناهج ونقص البرامج ولكننا لو قيّمنا الموضوع بشكل أكثر موضوعية لوجدنا أن مناهجنا لا تختلف جذرياً عن مناهج دول أخرى لا تعاني من نفس الأزمة مما يقودنا إلى أن الأسباب لا بد وأن تكون في مكان آخر ولربما كان السبب هو ما أراه ويراه الكثير من التربويين إلا وهو نوعية التدريس ومواصفات المدرس في شتى المراحل والتي أرفع صوتي عالياً لأقول أنه قد آن الأوان لإعادة النظر ولتقييم حقل التعليم في عالمنا العربي ولتحليل جميع أطراف العملية التربوية وخاصة ما يتعلق بالمدرس للوصول إلى تغذيات راجعة لا بد منها لاستدراك ما وصلنا إليه من حالة تردي وضياع للأجيال.

 

 

تقرير التنمية الإنسانية العربية 2003" نحو إقامة مجتمع المعرفة"

 

وفي تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003 والذي حمل عنوان "نحو إقامة مجتمع المعرفة" تمت الإشارة إلى خطر تردي مستوى التعليم في العالم العربي واعتبر نوعية التعليم أحد أخطر التحديات التي تواجه البلاد العربية، ووصف الأنظمة التعليمية المختلفة بمجموعة مناهج منتهية الصلاحية ومدرسين غير أكفاء، وإمكانات دون المستوى القياسي، وسياسات ومؤسسات غير فعاله.

 

وقد أبرز تقرير التنمية الإنسانية العربية أيضاً أهمية الإعداد الجيد للمدرسين ولأساليب التدريس وتأثير ذلك على التطور الفكري للأطفال، على سبيل المثال فإن دور الحضانات ورياض الأطفال الجيدة تركز على التطوير الفكري والنفسي للأطفال، كإعطائهم فرصة للعب وحرية الحركة، والتعبير عن أنفسهم، واتخاذ قراراتهم وتنمية احترامهم لذاتهم، كل ذلك يكون في بيئة تفاعليه وليست نمطية أو تلقينية، ولكن واقع حال تعليم الأطفال في المراحل الأولى في البلاد العربية ما زال يركز على تعليم القراءة والكتابة.

 

 

طبيعية مهنة التدريس ما بين الوراثة والمحيط

 

لا يخرج السلوك الإنساني عن دائرة العاملين الأساسين اللذين يقرران هذا السلوك ويعملان معاً على تكوين الفرد ويؤثران في سير نموه، أن هذين العاملين هما الوراثة والمحيط. وقد اختلف علماء النفس في أهمية كل من هذين العاملين في تقرير سلوك الإنسان وتكوينه.

 

فيرى السلوكيين ويتزعمهم العالم النفسي واطسون أن عامل البيئة أو المحيط له الأثر الأكبر في تشكيل السلوك عند الإنسان، وعلى عكسهم يرى الوراثيون أن اصل السلوك والمؤثر الأقوى فيه هو عامل الوراثة وليس المحيط، ويشتد الجدل هنا ليصل إلى صفوف المربين والمعلمين وواضعي المناهج التعليمية وفلاسفة التربية، ولهذا فإن البحث في الوراثة والمحيط أثّر كثيراً على انتقاء المواد الدراسية لمناهج التعليم في مختلف المراحل التعليمية وفي طرق التدريس وأساليبه، وفي انتقاء المدرسين وكيفية تدريبهم في البرامج المختلفة.

 

فالوراثيين يقولون بأن التدريس هو قابلية وراثية يرثها الفرد من أسلافه كما يرث أية قابلية جسمية أو عقلية أخرى، فهو يرث القابلية في مواجهة الطلبة والوقوف أمامهم وتدريسهم وإرشادهم، ومن هنا يشيرون إلى أن معاهد ودور إعداد المعلمين يجب أن تختار الأفراد الذين يمتلكون لهذه الميزة الموروثة ومن ثم يخضعونه ببرامج تدريب مختلفة.

 

بينما يرى السلوكيون بأنه ليس مشروطاً بمن يرغب أن يكون معلماً أن يمتلك أية سمات خاصة تميزه عن غيره، فيكفي إخضاعه إلى برامج التدريب والتأهيل للخروج معه بمواصفات المعلم المبدع والمتميز، فهم يؤمنون بأن التدريس هو فن مكتسب وليس خصلة موروثة كما الوراثيين.

 

بعد أن استوضحنا الجدل ما بين المدرستين أود أن أشير إلى أننا اليوم نرى مهنة التدريس على أنها فن مكتسب إلى حد بعيد حيث تجمع ما بين فلسفة الوارثيين والسلوكيين، فالتدريس هو مهنة تتطلب من المعلم متطلبين رئيسين وهما:

1-   الفن الموروث والمتعلق بشخصيته وسماتها كقوة الشخصية، الجاذبية، اللطف، الحضور، القدرة على الاتصال والتواصل، الصدق، الحزم، المرح والتحديد وغيرها من السمات التي لو دققنا فيها لوجدنا سمات غير مرتبطة بالتدريب بقدر ما هي سمات شخصية موروثة أصلاً.

2-   العلم المكتسب وهو ما يتعلق بالجانب العلمي الذي يجب أن يتقنه ويتمكن به المعلم والذي يتطلب منه أن يكون معلماً ومتعلماً في آنٍ واحد فيحرص على المتابعة والوقوف على كل ما هو جديد ومستجد في حقله ليكون واثقاً مما يقول فيجد هذه الثقة لدى طلبته بالمقابل، كما أن للعلم علاقة وثيقة بدراسته لطرق التدريس المختلفة والتقنيات التربوية الحديثة.

 ولا بد هنا وأن أضيف أن ما بين العلم والفن يجب أن لا نغفل كتربويين أهمية عنصر لاشك وأنه من يحدد مدى نجاح أو فشل المعلم في هذه المهنة إلا وهو عنصر الإيمان والرغبة في ممارسته للتعليم فنحن ندرك تماماً بأن الدافعية هي أهم شرط لحدوث ونجاح التعلم، والتعليم أيضاً، فإن لم يكن المعلم محباً لمهنته راغباً فيها حاملاً لرسالة يعيش لها ومن أجلها، فعندها فقط سيكون مسلحاً لمواجهة جميع التحديات سواء ما كان منها في المنهج أو النظام الإداري أو حتى في إشكاليات ذات علاقة بعناصر الرضى الوظيفي وأهمها الدخل المادي الذي انتقد وبشدة ربطه بأداء المدرس ومقداره ونوعيته.

 

 

حاضر ومستقبل مهنة التدريس في واقعنا العربي

 

في حين نجد اليابان تطلق على المعلم لديها لقب مهندساً بشرياً، نجده في واقعنا العربي يعاني من تقدير تراجع عن السابق من قبل مجتمعاننا وأعتقد أن لهذا العديد من الأسباب منها إغفالنا للمواصفات الشخصية للطالب قبل اعتمادنا إياه في كليات التربية أو في أية كلية لها علاقة بمهنة التدريس كالآداب والعلوم، فلا بد هنا أن نعود ونركز على قضية اختيار الشخصيات المناسبة لهذه المهنة أولاً ومن ثم العمل على إخضاعها لبرامج الإعداد والتدريب المناسبة، وأيضاً علينا أن نعير الجانب المتعلق بأساليب التدريس وفنونه الاهتمام الكافي مما يقودنا إلى ضرورة اشتمال برامج التخصص المختلفة للمعلمين مساقات وبرامج خاصة بفن التدريس وطرقه واستراتيجياته كالتعامل مع المشكلات الصفية والفروق الفردية والحالات الخاصة.

 

من هنا أوكد على أن مؤسساتنا التعليمية العربية مطالبة بالبقاء على إطلاع مستمر بالتغيرات التكنولوجية السريعة على مستوى العالم، فإن التدريس بشكل عام، وتعليم المدرسين بشكل خاص مطالبين بنفس الشئ فالمدرس الغير ملم باستراتيجيات التعليم الفعالة، وغير المدرك للأنماط المختلفة للتدريس ولتقنياته المختلفة المحفزة على التعلم والتعليم، وكذلك غير المدرك لحاجات التلاميذ المختلفة ولاستعداداتهم المتفاوتة، فإنه لا ولن يتمكن يوماً من إحراز التغير المطلوب، فلا بد إذاً من الارتقاء إلى أفكار تعليمية أخرى كالتعليم المتمركز حول الطالب والغرف الصفية التفاعلية فلن يكفي إدخال التقنيات والتكنولوجيا الحديثة إلى مدارسنا وصفوفنا بل أن الأهم هو وجود مدرس فعال مؤمن برسالته ويعمل على تسليح نفسه بكل ما هو جديد من معرفة وتدريب مطلوبين ليستطيع معهما إحراز تغيرات جذرية في مواصفات الجيل الجديد فالمعلم اليوم يجب أن لا يستمر كناقل وحافظ للمعرفة ومصدراً وحيداً لها بل أنه يجب أن يتغير ليصبح مرشداً وموجهاً وميسراً للعمليتين التعليمية والتربوية.

 

 

من أين يبدأ التغير المطلوب

 

أرى كما يرى الكثير من التربويين أنه لا بد وأن يبدأ التغير بأولى خطواته من الجامعات والمعاهد فعلى أساتذة الجامعات والمعاهد في العلم العربي أن يكونوا أول من يرفع راية التغيير للمضي قدماً نحو عملية إصلاح التعليم ونوعيته وذلك من خلال تقييم برامج إعداد وتدريب المدرسين وإجراء التغيرات المناسبة على هذه البرامج وأسس انتقاء طلابهم كرفع معدلات القبول فيها مع ضرورة التركيز على احتواء البرامج على أفضل وآخر المستجدات وأساليب التدريس، من هنا فقط نستطيع إيجاد نواة من المعلمين الأكفاء المعدين إعداداً علمياً ممتازاً إلى جانب امتلاكهم لمواصفات ومقومات لشخصية المعلم القائد "الكاريزما" قادرين بذلك من تحقيق رسالة مفادها إيجاد جيل يحمل مواصفات إبداعية قادرة على مواجهة تحديات العصر، حراً قادراً على التعبير عما يريد ويرغب، قادراً على تحقيق غايات مجتمعه بجميع أبعادها.

 

وبالنهاية لا بد لنا وأن نرتقي بمعلمينا إلى فضاءات أكثر إبداعا وسحراً وتأثيراً لنعيد لهذه المهنة العظيمة سمعتها التي لطالما كانت الأفضل في مجتمعنا ولنجد مع هذا المعلم جيلاً جديداً نحن في أمسى الحاجة له فهو الثورة الحقيقية التي إذا حصلنا عليها فلن يكون للمستحيل مكاناً في واقعنا العربي..... فلنبدأ معاً نحو التغيير.