لافتاً إلى عدم وجود بيانات "ذات مصداقية"
المـلاح لـ «الوقت»: أخــذ العــنف مكــــانه بين المكونات الذهنية والنفسية لأحداث التسعينات
اعتبر الباحث الاجتماعي نادر الملاح أن "أحداث التسعينات، والتجنيس العشوائي، وراء تنامي حالات العنف والجريمة في الساحة المحلية"، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن "هذه الأحداث، أوجدت درجة من النضج السياسي والاجتماعي لدى الشارع، بعد أن كان ذلك حكراً على المشتغلين بالسياسة."
وأوضح الملاح في حوار أجرته "الوقت" معه أن "الطابع العنيف لتلك الأحداث ساهم في ظهور حالة من العنف الاجتماعي الذي انعكس في بعض جوانبه على معدل الجريمة فدفع به نحو الزيادة"، لافتا إلى "ارتفاع حالات العنف مع الذات، وظهور بعض الحالات النفسية التي من بينها الكبت والاكتئاب واليأس، وهي علل نفسية اجتماعية قابلة لأن تتحول لبعض مظاهر الجريمة". وأشار الملاح إلى أن "العالم الغربي، وبعض دول المنطقة، بدأ، وإن بشكل محدود، الحديث عن ضرورة إيجاد كيان اقتصادي اجتماعي، والتوقف عن التفكير في الشأن الاقتصادي بمعزل عن الشأن الاجتماعي أو العكس."
وأضاف الملاح أن "ما تشهده الحالة الاجتماعية اليوم من أزمات، دفع بعض الشخصيات الوطنية للتفكير الجاد في إيجاد هذا الكيان المزدوج كي يكون محفزاً للتنمية الاقتصادية الحقيقية التي تعير البعد الاجتماعي الاهتمام الوافي."
* بداية، هل من الممكن التوقف عند تأثير أحداث التسعينات على النسيج المجتمعي البحريني، خصوصا أن تلك الأحداث استمرت سنوات عدة وهو ما يعني وجوب تناول آثارها السلبية والايجابية؟
- مما لاشك فيه أن أحداث التسعينات السياسية الأمنية، تركت الكثير من الآثار الاجتماعية منها ما هو إيجابي ومنها ما هو سلبي، فعلى الصعيد الإيجابي يمكن القول إن الطابع الذي اتخذته هذه الأحداث التي كانت جماعية في كل أشكالها، ساهم في خلق نوع من التجانس بين أفراد مجموعات العمل من جهة وبين المجموعات من الجهة الأخرى.
وقد تبلور هذا التجانس مع دخول إجراءات المشروع الإصلاحي حيز التنفيذ في صورة تجمعات مقننة، أفرزت ما يصطلح عليه اليوم بالجمعيات السياسية والحقوقية وجمعيات النفع العام والرقابة وغير ذلك من التجمعات التي باتت تأخذ الصفة الرسمية وتفرض وجودها وتأثيرها في الساحتين السياسية والاجتماعية.
ويمكن اعتبار ذلك النمط من العمل الاجتماعي، وليد تلك الأحداث، وهي بدرجة ما ظاهرة إيجابية وليست سلبية على الإطلاق، مع ملاحظة أن إيجابية الظاهرة لا يعني بالضرورة إيجابية كل تلك المؤسسات حيث إن الواقع يؤكد إيجابية البعض مقابل سلبية البعض الآخر من حيث الأداء.
ويعود الفضل في نشوء تلك المؤسسات للأحداث ذاتها، إذ إن المشروع الإصلاحي لم يكن سوى الأداة أو المساحة التي أتاحت لتلك المؤسسات العمل بشيء من الحرية والتنظيم، وهذا بالطبع لا يقلل من شأن المشروع الإصلاحي، وإنما فقط يضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بالبعد الحقيقي لتلك الحالة. كذلك من بين المظاهر الإيجابية التي خلفتها تلك الحالة حدوث درجة من النضج السياسي والاجتماعي لدى الشارع، بعد أن كان ذلك حكراً على المشتغلين بالسياسة من دون غيرهم، فالحالة الأمنية وما صاحبها من تحركات أدت بشكل مباشر إلى التعاطي مع بعض المفردات والمفاهيم التي ربما لم يكن الكثير من المشاركين فيها على دراية كافية أو ناضجة بها، وهذا أمر مهم للغاية إذا ما كنا نتحدث عن رقابة شعبية وشراكة عامة في صنع القرار أو توجيهه.
* من خلال أحداث التسعينات برزت مجموعة من الظواهر التي صنفها البعض في خانة الظواهر السلبية، فما هي الأسباب الكامنة وراءها؟
- فيما يتعلق بالجانب السلبي لأحداث التسعينات على النسيج الاجتماعي يمكن الإشارة إلى أن حالة التشنج الطائفي والصراعات الهامشية سواء بين الأفراد أو المجموعات، هي أبرز المظاهر السلبية التي لابد من التوقف عندها، فلا يستطيع أحد أن ينكر أن ما تشهده الساحة المحلية اليوم من صراعات طائفية مختلقة في معظمها وموجهة في البعض المتبقي منها، وليدة تلك الأحداث.
ولعل أبرز العوامل التي ساعدت في ظهور هذه الحالة هي المساعي التي بذلت إبان الأحداث لوصم الحركة الشعبية الوطنية بالطائفية، وما صاحبها من محاولات مستمرة للزج ببعض الدول المجاورة وفي مقدمتها إيران بوصفها المحرك تارة والممول والمخطط تارة أخرى، وكذلك الاتهام المستمر لأبناء الطائفة الشيعية تحديداً بالولاء الخارجي في حالة من الخلط المتعمد بين الولاء الديني والولاء السياسي والوطني.
* تعتبر ظاهرة العنف إحدى الظواهر الآخذة في التنامي سواء على المستوى العالمي أو حتى المحلي، فهل لأحداث التسعينات علاقة بذلك؟
- يمكن القول إن من بين الآثار السلبية لتلك الأحداث تنامي حالة العنف، إذ إن الأحداث الأمنية العنيفة استمرت لسنوات، واستمرت صورها وآثارها لسنوات تلتها لتكون الفترة تقريبا عقدا كاملا من الزمن، وهذا يعني أن شريحة من الشباب دخلوا سن المراهقة وخرجوا منه في الحالة المتوترة نفسها التي كان العنف مظهرها الرئيس.
فقد أدى ذلك الوضع إلى أن يأخذ العنف مكانه بين المكونات الذهنية والنفسية لدى البعض، لاسيما من غادر منهم تلك المرحلة لمرحلة النضج، وعليه فإن اللجوء إلى العنف كحل لما قد يعترض هؤلاء من مشكلات لا يكون مستغرباً، إلا أن هذا لا يعني جواز التعميم على كل شريحة المراهقين، كما لا يعني على الإطلاق انحصار حالة العنف في هذه الشريحة، وإنما يحتاج الأمر إلى المزيد من التفصيل الذي ربما لا يسمح به هذا المقام.
محصلة القول إن ما تشهده الساحة المحلية اليوم من تنامي حالات العنف والجريمة هي من بين السلبيات التي خلفتها تلك الأحداث، هذا بالطبع بالإضافة إلى التجنيس العشوائي الذي يحتل مركزا متقدما في هذا الإطار، وإن لم أتفق مع الرأي الذاهب إلى أن مرد جميع حالات العنف اليوم هو التجنيس.
مصطلحات "تيارية"..
* بناء على ما عرضته، ما هو أثر الأحداث على الأسرة البحرينية؟
- الحديث حول هذا الموضوع غير مدعوم علميا، فالحالات الموجودة فردية، وكانت تعبر عن نفسها من خلال بعض المصطلحات التي ظهرت إبان الأحداث الأمنية لكنها سرعان ما تلاشت مع انتهائها لارتباطها بالعاطفة ليس أكثر.
وكمثال على تلك المصطلحات، لا حصرا، مصطلحا ‘’جمري - مدني’’ في إشارة لأتباع التيارين المتواجدين على الساحة آنذاك، ولا ترقى هذه الحالة لمستوى الظاهرة الاجتماعية مطلقاً، ما يجعل الحديث عنها حديثا عن تاريخ لا عن حدث اجتماعي ذي أثر على الحالة الاجتماعية العامة.
وفي تقديري أن أثر الاختلاف على تحديد بداية ونهاية المواسم الدينية، ومنها شهر رمضان المبارك أشد تأثيراً من الناحية الاجتماعية من تلك الحالة، ومن الضروري تسمية الأشياء بمسمياتها لاسيما عند الحديث عن الشأن الاجتماعي لما لذلك من أثر بالغ ومؤثر.
* العنف والجريمة وجهان لعملة واحدة، ما هي علاقة تلك الأحداث بمعدل الجرائم في البلد؟
- كما أشرت سابقاً، فإن الطابع العنيف لتلك الأحداث ساهم في ظهور حالة من العنف الاجتماعي الذي انعكس في بعض جوانبه على معدل الجريمة فدفع به نحو الزيادة، ولا نحصر الجريمة هنا في مفهومها الضيق وإنما بالمعنى العام.
ومن بين تلك النتائج المرتبطة بحالة العنف والعنف المضاد مثلا كان هنالك ارتفاع في حالات العنف مع الذات، إضافة إلى ظهور بعض الحالات النفسية التي من بينها الكبت والاكتئاب واليأس على سبيل المثال، وهي علل نفسية اجتماعية قابلة لأن تتحول لبعض مظاهر الجريمة التي قد تأخذ طابعاً فرديا أو اجتماعياً تبعا للحالة.
شحنة المعلومات..
* برأيك لماذا لا يزال هذا الجانب يفتقد للدراسات والبحوث؟
- رغم أن الدراسات الاجتماعية المبنية على أسس علمية صحيحة ومعتمدة، ضرورية، إلا أنها تحتاج إلى معلومات ومعطيات هي بكل أسف مغيبة، فلو أردنا دراسة منحنى الجريمة منذ بداية التسعينات وحتى بداية الألفية الثالثة مثلا، فإننا سنصطدم بندرة الإحصاءات والأرقام التي يمكن التعويل عليها.
ومن بين المصادر المهمة التي يمكن الاعتماد عليها في هذا الجانب النشرة الإحصائية الدورية التي تصدرها وزارة الداخلية، وهذه النشرة مليئة بالعلل التي تجعل منها مصدراً غير محبذ من الناحية العلمية، إذ إنها لا تصدر عن وزارة الداخلية لغرض توثيق الحالة الأمنية، وإنما التركيز على إبراز جهود الجهاز الأمني طيلة العام، وهو ما يترتب عليه عدم الثبات في أسلوب عرض محتويات تلك النشرة، وعدم تضمينها التعريفات المعتمدة لكل نوع من الجريمة، وغير ذلك من الأمور الأساسية اللازمة لتعزيز مصداقية المعلومة والبحث العلمي، كما أن ذلك الحال مماثل بالنسبة للأجهزة الرسمية الأخرى، والتي من بينها على سبيل المثال أيضاً وزارة العدل.
* مازال الكثير من المختصين يشكون ضعف تدفق المعلومات، فهل يشكو المختصون في الحقل الاجتماعي من ذلك؟ وما مدى تأثيره على النتائج المطلوب التوصل إليها ؟
- إذا أراد الباحث، الحصول على معلومة مرتبطة بالشأن الاجتماعي، فإنه إما أن يتحلى بأحد مظاهر الإعجاز الإلهي أو أن يكون ملماً بأساليب العمل الخارق.
وهذا هو الواقع بكل أسف والبديل مع هذا الحال بالطبع هو اعتماد الباحث على أدواته وأساليبه في جمع المعلومة، وهنا يصطدم مجدداً برزمة من التشريعات والقوانين والإجراءات البيروقراطية التي تحول في الغالب دون وصوله للمعلومة الصحيحة، والأمثلة على ذلك كثيرة لا يتسع المجال لسردها.
ولابد من الإشارة إلى أن أي باحث يتصدى اليوم لبحث قضية اجتماعية من أي نوع، يعاني أشد المعاناة من مشكلة ضعف تدفق المعلومات وعدم وجود البيانات ذات المصداقية التي يمكن التعويل عليها في البحث العلمي رغم ما شهده هذا الأمر من تحسن في السنوات القليلة الماضية، ويمكن القول إن عدم وجود المادة الأولى من بيانات ومعلومات يشكل عائقا كبيرا أمام الباحث، وهذا بالطبع لا يخدم الصالح العام.
أزمات اجتماعية..
* كثر الحديث في الآونة الأخيرة من جانب الاجتماعيين عن ضرورة التفات الاقتصاديين إلى "عقلنة" الطموح الاقتصادي كي لا يطغى على الجانب الاجتماعي وهو ما يعني خلق أضرار اجتماعية مقابل نمو اقتصادي ؟
- لابد أن نشير إلى أن العالم اتجه في فترة زمنية نحو البعد الاقتصادي البحت، وتمكن من خلق طفرة حقيقية لا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.
إلا أنه بعد كل ذلك النجاح ظهر الداعون لضرورة الالتفات للبعد الاجتماعي إذ تبين أن معظم تلك الإنجازات الاقتصادية إن لم يكن جميعها كانت على حساب البعد الاجتماعي، فبدأ العالم الغربي تحديدا وبدأت بعض دول المنطقة وإن بشكل محدود في الحديث عن ضرورة إيجاد كيان اقتصادي اجتماعي، والتوقف عن التفكير في الشأن الاقتصادي في معزل عن الشأن الاجتماعي أو العكس.
* وهل لذلك الحديث صدى داخل البحرين ؟
- في البحرين تحديداً، دفع ما تشهده الحالة الاجتماعية اليوم من أزمات، بعض الشخصيات الوطنية للتفكير الجاد في إيجاد هذا الكيان المزدوج لكي يكون محفزاً للتنمية الاقتصادية الحقيقية التي تعير البعد الاجتماعي الاهتمام الوافي، ولعل أبرز الشخصيات الوطنية التي بادرت لطرح هذا الموضوع وتبنيه هو وزير العمل مجيد العلوي، الذي يحمل مشروع إنشاء مجلس التنمية الاقتصادية الاجتماعية كأحد المشروعات المحورية في برنامج عمله، وذلك تأسيسا على خبرته ومشاهداته ومتابعاته لهذه التجربة في أوربا تحديداً خلال فترة تواجده في بريطانيا.
ويمكن القول إننا بمقدار ما نتمنى أن يرى هذا المشروع الحيوي والمهم النور، نؤكد على ضرورة اعتماد أساليب العمل العلمية السليمة لإيجاد مثل هذا الكيان، والابتعاد عن المجاملة السياسية أو الاجتماعية في اختيار الكفاءات التي يجب أن تحرك عجلته، إذ إن الدور المتوقع من هذا الكيان لا علاقة له مطلقا بالمواقع والمناصب الإدارية التي تفرض نفسها في الغالب على هذه المشروعات فتقودها للفشل أو القصور عن تحقيق أهدافها في أحسن الأحوال، إن المسألة ها هنا حساسة للغاية ولا ينبغي أن تكون موضع مجازفة أو تجربة.